يحيى العامري الحرضي اليماني
600
غربال الزمان في وفيات الأعيان
القضاء عفة ، [ وكان يخطب من النباتية ] « 1 » ، ولما تغير سمعه ترك القضاء وأقبل على شأنه . وكان له وقع في القلوب ، وكان والده من أكابر الأولياء . قيل : إنه كان يمر في صغره على فقير في بلاد الشام فيقول له : مرحبا بقاضي الديار المصرية . وفيها مفتي المسلمين [ الإمام شهاب الدين ] « 1 » أحمد بن جميل الشافعي ، البارع ، سمع وأسمع . قال اليافعي : اجتمعت به في المدينة وسألته عن الذكر الوارد في كفارة المجلس ، وقلت : لا يخلو أن يكون صادقا في قوله : « وأتوب إليك » ، أو كاذبا ، فإن كان صادقا فالمغفرة تحصل له بمجرد التوبة ولا تفتقر إلى الذكر المذكور ، وإن كان كاذبا فكيف تحصل له مغفرة مع إخباره بتوبته وهو كاذب فيها مصر على المعاصي ، فأجابني بجواب ليس بشاف . وفيها مات بندر الولي الشهير علي بن الواسطي محرما متوجها إلى الحج ، وكان ذا همة عالية ، حج مرارا واعتمر - على ما قيل - أكثر من ألف عمرة ، وتلا أكثر من أربعة آلاف ختمة ، وطاف مرات في كل ليلة أكثر من سبعين أسبوعا . قال اليافعي : ورأيته يسرع في طوافه ، وأنكر عليه بعضهم ، فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فذكر له فقال : إن قدر أن يزيد على ذلك الإسراع فليفعل . قال اليافعي : ولعله كان في عدوه واجدا . قال : ورأيت غيره من الصالحين يطوف في حال وجده عدوا ، فأنكر عليه بعض الفقهاء فلم يلتفت ، فأمر بإمساكه ، فسلط على ذلك الفقيه من أمسكه من الظلمة وضربه على القرب من فعله . وكان الواسطي يغتسل لكل فريضة مع اشتداد البرد والحر . وبلغني أنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في اليقظة ، فسأله عن ذلك ، فأمره به . وقيل له مرة والناس يصلون التراويح : مالك لا تصلي معهم ؟ فذكر كلاما معناه : ما يجد قلبه في مخالطة الناس . وكان في ذلك الوقت ثلاثة واسطيون كلهم رجال ملاح مع تفاوت طريقهم في أوصاف الصلاح : هذا أحدهم ، فإنه كان بعيدا عن الناس خاليا بنفسه كالأسد . وكان مهنا سلطان عرب الشام يحبه شديدا ويقسم برأسه .
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين زيادة من ب . وفي مرآة الجنان 4 / 287 : وكان يخطب من إنشائه . والنباتية : نسبة إلى الخطيب المشهور ابن نباتة .